بسم الله الرحمن الرحيم
الاضطرابات الاجتماعية مرض لابد من علاجه
إن أخطر ما يواجه الشعوب هو وجود الاضطرابات بين مجتمعاتها لأنها تعكس الكثير من الدلالات السلبية التي تعاني منها تلك المجتمعات بل تنعكس منها دلالات أخرى سلبية في حاضرها ومستقبلها.
ومن تلك الدلالات السلبية التي تعكسها تلك الاضطرابات أو تنعكس منها غياب الشعور بالأمن الاجتماعي وكذلك الاقتصادي وأيضا التخلف التنموي في كل المجالات ناهيك عن وجود واقع الطبقية والاستعلائية مما يؤثر سلبا على نسيج العلاقات بين المجتمعات و أفرادها .
ومن منطق أن الله تعالى يريد لعباده أن يعيشوا حياة مستقرة وسامقة فقد بعث رسله وأنبياءه إلى الناس وهم يحملون الرسالات التي تحمل في طياتها كل القواعد والأسس والقوانين التي من شأنها لو أخذت بها المجتمعات لوصلوا إلى أرقى ما يتطلع إليه الإنسان من الحياة النظيفة من كل أسباب وعوامل الاضطراب.
أسس وقوانين مستوحاة من القرآن الكريم: -
1- أساس كرامة الإنسان: -
قال تعالى: << ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر>>. الإسراء /70
فهذه الآية الشريفة توجد النظرة تجاه كل أفراد البشرية على أساس أن كل فرد يملك الكرامة التي لا يحق لأي أحد كان أن يسحقها أو يخدش بها بل على الكل أن يحترم كرامة الكل مهما كان عنصره أو لونه أو قوميته.
2- أساس الحرية: : -
قال تعالى:<<لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي>> البقرة : 256
ونجد في هذه الآية الشريفة أن الدين لا يعتنق بالقوة والإكراه بل بالاختيار والرضا ومهما كان نوع الحكم فلا يحق للحاكم أن يجبر أحدا على اعتناق الدين والعقيدة وإنما يمكن للحاكم أن يعمل على نشر الدين بالطرق السلمية والاستدلالية.
2- أساس العدل: -
قال تعالى :<<لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط >> الحديد 25.
تعطينا هذه الآية الشريفة مقصدا واضحا وهدفا واحدا لكل الرسل هو هدف بسط العدل بين كل الناس وعليه تكون علاقاتهم فيما بينهم.
ولا شك أنه لا يمكن أن تكون الحياة خالية من الاضطرابات إلا إذا سادها العدل كما قال الإمام علي عن الرسول (ص): <<بالعدل قامت السموات والأرضون>>.
المجتمعات المعاصرة ومظاهر الاضطرابات: -
لا يوجد مجتمع في كل عصر إلا وهو يعاني من الاضطرابات فيما بين أفراده فضلا عما تعيشه المجتمعات فيما بينها من أنواع هذه الاضطرابات ولا تحتاج إلى كثير من الإمعان لمعرفتها فالعالم أجمع يضج منها ومن آثارها.
فحالات القهر والنزاعات الإقليمية والدولية وكذلك الجهل والتخلف العلمي والثقافي ناهيك عن وجود إرادة القهر والإذلال من بعض الدول الكبرى للكثير من دول وشعوب صغيرة كل ذلك يشكل وجود مظاهر واضحة وأساسية لهذه الاضطرابات بين المجتمعات وأهم المظاهر:
1- غياب العدالة بين الناس: -
هناك مقاييس للعدالة معروفة جاءت بها الرسالات السماوية ودلت عليها الفطرة الإنسانية مثل: كرامة الإنسان والمساواة وحرية الرأي وحرية العادة وحق الأمن الاجتماعي والمعيشي.
كل هذه الحقوق وغيرها هي خير ضمانات للحياة الاجتماعية المستقرة والهادئة ولكن عندما تغيب هذه المقاييس تكون الاضطراب واقعا لا علاج له إلا بالرجوع إلى العمل بهذه المقاييس وسيادتها تكون في كل نوع للعلاقة بين المجتمعات وأفرادها.
ونحن نجد غياب مقاييس العدل المطلق في الكثير من الدول والاعتماد على مقاييس أخرى مثل مقياس المنفعة وخلاصتها أن القانون لا يكون عادلا إلا إذا كان يحقق المطلوب منه وهو المصلحة الراجعة إلى من يطبق هذا القانون وهذا الذي تعمل به بعض الدول الكبرى مما يضخم من وجود تلك الاضطرابات بينها وبين الدول الأخرى
2- غياب سيادة القانون: -
إن من مظاهر الاضطرابات الاجتماعية عدم سيادة القانون في العلاقات بين الدول والمجتمعات فضلا عن حل النزاعات بينها ,فعلى صعيد العلاقات لدولة نجد تغليب جانب المصلحة على سيادة القانون الدولي و يتجلى ذلك في امتلاك خمس دول كبرى حق النقض(الفيتو) بحيث لها الحق أن تنقض أي قانون دولي إذا كان يتعارض مع مصلحتها ولأن كان على حساب مصالح دول وشعوب أخرى.
كما حصل عدة مرات في حق الشعب الفلسطيني وهذا التناقض مع مقاييس العدالة و إقامتها المساواة أمام القانون وهذه الدول تتبنى عمليا المنظور النفعي للعدل
وعلى الصعيد المحلي في بعض الدول قد لا نجد هناك قوانين تشكل دستورا يرسم طبيعة العلاقة بين النظام والشعب حتى يمارس كل منهما دوره على أساس تلك القوانين وهناك تغلب الأهواء والمصالح الشخصية والفئوية مما يسبب ذلك الاضطرابات والنزاعات المحلية
3- احتكار بعض الدول لثروات الشعوب: -
يقول الإمام علي : <<ما جاع فقير إلا بما متع به غني>>.
وقال تعالى: << وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها>>. هود /6
لا شك أن الله تعالى ما خلق فاها إلا ضمن له رزقه وهذا هو العدل المطلق ولكن من أين ___ الظلم امتلاك الرزق وتوزيع الثروة ؟
يأتي ذلك من الإنسان , أعني الإنسان الجشع وخصوصا الإنسان الذي يؤمن بفلسفة المنفعة واللذة الماديتين ولا يشعر بلذة للطعم المعنوي عنده .
وهذا حال بعض الدول الكبرى التي تحتكر 80% من ثروات العالم وهي أقل بكثير من سكان الدول الأخرى التي لا تملك إلا 20% من الثروة الاقتصادية فقط
وسبب ذلك راجع إلى سعي استغلال الدول الكبرى إلى ثروات العالم لصالحها وهذا من أهم أسباب انتشار الفقر و الجوع في العالم .
وقال الإمام (ع): <<ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع>>.
وهذا الأمر من شأنه أن يحدث الاضطرابات بين مجتمعات الدول الكبرى ومجتمعات الدول الأخرى بل حتى بين أفراد المجتمع نفسه.
4 : - فقدان الثقة : -
وأشير بذلك إلى ما نشاهده من اضطرابات في العلاقة بين أبناء مجتمعاتنا والعامل الأساسي هو سوء الظن فيما بيننا سواء على صعيد العلاقة بين الطوائف والجماعات أو حتى على صعيد أبناء الطائفة الواحدة وسبب ذلك في وجود حالات الاصطفاف الطائفي أو الفئوي حتى في الأمور الواضحة في بطلانها وأصبح تغليب رأي الفئة هو السائد وان كان حلى حساب الحقيقة
وهذا من أخطر أسباب الاضطرابات الاجتماعية
العلاج المقترح لهذه الاضطرابات: -
هناك بنود يمكن أن تطرح لعلاج الاضطرابات الاجتماعية ومنها: -
1- الإجماع نظريا وعمليا على مفاهيم العدل والحرية وأن نبني طبيعة العلاقة بين الدول و المجتمعات على أساسهما دون تمييز لدولة أو مجتمع على الآخرين وهذا الذي ينسجم مع الفطرة ومع ما جاء به أنبياء الله تعالى.
قال تعالى: << يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم >>. الحجرات / 13
2-مشروع عالمي للقيم الإنسانية: -
بما أن ديننا الإسلامي يمتلك أقوى مرجعية قانونية وهو القرآن الكريم مدعما بالسنة النبوية فيمكن لعلماء الدين ومعهم خبراء القانون أن يضعوا مشروعا عالميا للقيم الإنسانية والتعايش البشري وليطلع العالم على ما نملكه من رصيد ثري في هذا الجانب وأول من يبدأ به الدول الإسلامية لأنه ومع الأسف أن بعض دولنا العربية والإسلامية تعمل بقوانين مستوردة من دول غير إسلامية مع العلم أن بعضها تتعارض مع القوانين الإسلامية والسبب في ذلك هو عدم وجود دستور مقنن على وفق القرآن والسنة النبوية.
3-إشاعة مفهوم كرامة الإنسان: -
إن مما فطر الله الإنسان عليه هو حبه للعزة والكرامة وقال النبي (ص) أو الإمام الصادق :<< إن الله فوض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا >> ن الكافي / باب كراهة التعرض بما لايطيق /رقم الحديث 8367
وقال تعالى:<< ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر و رزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا>> الإسراء 70.
بهذا المفهوم وهو مفهوم الكرامة يمكن أن تحرك في وسطنا الإسلامي والوسط غير الإسلامي على إشاعة مفهوم احترام الإنسان بالنظر إلى ذاته الإنسانية مع غض النظر عن لونه ودينه ونركز على أن ذلك من أهم ما دعا إليه ديننا الحنيف.
وأهم ما تحدثنا به سيرة النبي محمد (ص) من تكريمه واحترامه للإنسان بما هو , فقد استطاع (ص) أن يجمع حول رسالته شتى أفراد المجتمع المعاصرين له من الأغنياء و الفقراء والسود والبيض والعرب والعجم والرجال والنساء وذلك لأنه (ص) عمليا جسد معنى قوله تعالى :<< ولقد كرمنا بني آدم >>.
وقد شهد القرآن الكريم لهذه السمة في سيرته بقوله تعالى:<< وإنك لعلى خلق عظيم>>.
وهذه رسالة المسلم اليوم أن يقتدي بسيده الرسول الأعظم (ص) في احترام الإنسان الآخر مهما كان انتماؤه الديني أو العرقي أو غير ذلك .
مقترحات عملية : -
1 : - وجود آلية لتواصل المشاركين في هذا المؤتمر فيما بينهم لتعميق العلاقة والمثمرة لما يصب في صالح الدعوة الى الوحدة
2: - تأسيس لجنة تنظيرية لمشاريع الوحدة تهتم بوضع الدراسات العلمية ومستفيدة من تجارب الآخرين وتضع نتائج ذلك بين يدي المهتمين بشؤون الوحدة للاستفادة منها
3 : - أن يقوم المشاركون في هذا المؤتمر أو غيره بمشاريع وحدوية في بلدانهم ويقوم هذا المنتدى المبارك بالتنسيق من خلال لجنة مختصة بذلك
4 : - تعميم التوصيات وما يخرج به هذا المؤتمر من نتائج مثمرة للمؤسسات والمراكز والأفراد بل ووسائل الاعلام حتى يعم صوت الوحدة أكبر مساحة من جماهير امتنا الإسلامية
5: - السعي العملي والجاد لمد جسور الثقة بين المجتمعات من خلال تأسيس لجان مصالحة والوصول لحلول صائبة بما تحقق المصلحة لعموم المسلمين وبما يرفع حالات الاحتقان التي تعيشها أوساط مجتمعاتنا الإسلامية
أهداف متوخاة: -
لا شك أن في الإسلام من القيم ما تجعل الأمة الإسلامية من أقوى الأمم تماسكا و ألفة لتكون مصداقا لمعنى الأمة الواحدة في قوله تعالى :<< وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون>>.
ولا تخفى عنا جميعا هذه القيم ولكن ينقصنا بيانها للآخرين من خلال تدوينها وترجمتها إلى اللغات الأخرى وعلى قدر جهدنا في إبرازها للآخرين على قدر ما سنجد أنصارا لها ومؤمنين بها لان الله تعالى قال :<< إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم>>. الإسراء / 9
وكما قال ديورانت : إن الدين الوحيد الذي يصلح أن يقود العالم هو الإسلام . / قصة الحضارة
والأهم في إبراز هذه القيم للآخرين هو تجسيدها عمليا في واقعنا لأنه لا يمكن لإبرازها بالخطابة والكتابة للآخرين ويكذبها واقعنا ذلك الأثر المطلوب من تحملنا لهذه المسؤولية .
لأنه إذا فشلنا في تحقيق هذه القيم في واقعنا ومنها الوحدة فلأننا سنفشل في كل شيء كما قال تعالى:<< ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم >>. الأنفال / 46
فهو فشل في واقعنا وفشل أمام غيرنا << وتذهب ريحكم>>.
ولا شك أنه من الخيانة لأمانة الإيمان و الإسلام الفرقة والاختلاف أذا من أداء حق هذه الأمانة السعي الجاد للتمثل بالوحدة قال تعالى << واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا>>.
وأن نجعل الدعوة إلى الوحدة رسالة نحملها إلى كل أبناء الأمة بل إلى كل الإنسانية جمعاء حتى نساهم في بناء الحضارة الإنسانية جميعا.
ولا شك إن إقامة مثل هذا المنتدى وإقامة مثل هذا المؤتمر المبارك في لندن يكتسب ذلك أهمية كبيرة لأنه يحمل رسالة الإسلام للوحدة إلى المجتمع الآخر خارج جغرافية الدول الإسلامية ويجسد عمليا واقع الوحدة بين المجتمعين على اختلاف انتماءاتهم المذهبة والدينية والعرقية والجغرافية .
وأخيرا أشكر القائمين على المؤتمر على إتاحة الفرصة لي بالمشاركة وبارك الله في جهودكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
. . . . . . . . الشيخ محمد العباد
السعودية 12 / 6 / 2009