بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام المهدي (ع) : ( أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله (
1. مراجعة التراث القديم الجديد
2. أهمية مراجعة التراث
3. ضوابط مراجعة التراث
مراجعة التراث القديم الجديد
عندما نلقي نظرة على واقع تاريخنا العلمي والعلمائي نرى مرجعة التراث من الأمور الواضحة والتي عرف بها أتباع مدرسة أهل البيت (ع) وهذا الذي يعنيه الاجتهاد عند الشيعة فهو مفتوح طول التاريخ ولم يغلق أبدا والى اليوم وهذا من مميزات التشيع وكان لذلك أكبر الأثر في إثراء الفكر الشيعي وفي شتى مجالات المعرفة
ونعرف أهمية مراجعة التراث عند الشيعة من خلال أمور ومن أهمها شرط الاجتهاد في التقليد فلابد في المرجع أن يكون مجتهدا ولا يكون مجتهدا حتى يبذل ما بوسعه من الجهد في مراجعة التراث العلمي حتى تكون عنده ملكة يستطيع بها من إعطاء النظرية فيما اجتهد فيه وكلما كان أكثر جهدا وأكثر دقة في مرجعة التراث كان الأولى أن يقلده الناس وهذا معنى شرط الأعلمية في المرجع
وما يطرح اليوم من الدعوة إلى مراجعة التراث ليس أمرا جديدا على الفكر الشيعي بل هو واقع يسير سير التاريخ العلمي والعلمائي للتشيع
فالتشيع عرف بالفكر المتحرك غير الجامد والفكر الاجتهادي غير التقليدي وما نراه من دراسات علمية و فكرية تصدر بين آونة وأخرى إلا دليل على ذلك
مكاسب مراجعة التراث
1. عندما نراجع التراث فإننا نتعرف أكثر على الوجه الحضاري المشرق لديننا الحنيف وما فيه من أسس حضارية لبناء مجتمع تسوده القيم الإنسانية الإلهية مما جعل المنصفين ممن راجع التراث الإسلامي حتى من غير المسلمين أن يعترف بهذا ومن هؤلاء ديورانت صاحب موسوعة (قصة الحضارة) حيث ذكر أن الدين الوحيد الذي يصلح لكل المجتمعات البشرية على اختلاف انتماآتها هو الإسلام فقط
2. مراجعة التراث تعني أيضا البحث عن الحلول والمعالجات للمستجدات التي تحدث في المجتمعات والتي لم تكن موجودة في زمن النبي (ص) والأئمة (ع) وزمن العلماء القدماء مثل موضوع التأمين والتشريح والحمل الصناعي والاستنساخ فنحن بحاجة لمعرفة الرأي الإسلامي في مثل هذه المسائل وغيرها ولايمكن هذا إلا من خلال مراجعة التراث
3. من المكاسب لمراجعة التراث معرفة الروايات الصحيحة من غير الصحيحة لأنه من المعلوم أن في التراث روايات غير صحيحة وضعها رواة كذابون من المتملقين للحكام الظالمين ومن الغلاة ومن أعداء الله والرسول (ص) وأهل بيته (ع) وقد حذر النبي (ص) وأهل البيت (ع) من الأخذ برواياتهم ولا يمكن معرفة هذا إلا من خلال المراجعة الدائمة للتراث
4. ومن المكاسب أيضا معرفة القوا سم والأمور المشتركة بين المسلمين وهي الأكثر من الأمور المختلف فيها بينهم لإعطاء الرؤية الواضحة للعيش المشترك لأبناء الأمة الإسلامية على اختلاف أطيافها ومذاهبها
لايمكن أبدا ولا يصح التركيز على نقاط الاختلاف بين المذاهب والتغافل عن نقاط الالتقاء والتي هي الأصل في تراثنا الإسلامي و نحن أحوج إليها خصوصا في ظروفنا الراهنة والتي استغل فيها أعداء الأمة ثغرات الاختلاف لتأجيج الفتنة الطائفية بين المسلمين
ضوابط مراجعة التراث
لابد مي موضوع مراجعة التراث من ضوابط حتى لا نقع في أخطاء فكرية أو تطبيقية ويكون الأمر مثل ذلك الرجل الذي سمع محاضرة في أهمية الزراعة والحاجة إليها حاجة ضرورية وتفاعل مع المحاضرة فذهب لأيام يشتري آلات الزراعة ولكن لا يحسن استخدامها ولا يملك الخبرة في الزراعة طبعا نتيجة هذا التفاعل والجهد هو مزيد من الأخطاء والتعب غير المثمر وهذه بعض ضوابط مراجعة التراث
1. أن يكون المراجع للتراث من أهل التخصص خصوصا قي التراث العقدي والفقهي وعندما يريد أن يتبنى رأيا أو نظرية معينة لأن الشرع المقدس نهى عن القول بغير علم والإفتاء بالرأي الذي يعني الذوق والاستحسان والتخصص يعني الاجتهاد والتراث العقدي والفقهي مثل التراث الطبي لا يصح لغير المتخصص في علوم الطب أن يراجع التراث الطبي لإعطاء نظرية في الطب ورفض نظرية أخرى ولو حول غير المتخصص لمرجعة التراث الطبي لعارضه علماء الطب بشدة لأنه سيعرض نفسه والآخرين إلى الخطر
وهناك أمور يعرف بها اجتهاد المجتهد ذكرها الفقهاء ولا يكفي ادعاء الشخص لنفسه أنه مجتهد أو يدعي هو أن فلانا العالم شهد له بالاجتهاد ولا تكفي المسميات الدعائية الإعلامية في ثبوت اجتهاد شخص ما كما هو الموجود الآن في كثير من وسائل الإعلام والذي أوجد الكثير من التشوين في ذهنية الكثير من الأشخاص
2. من الضوابط أيضا أن يكون التراث الصحيح هو المصدر للرأي والنظرية وهو الأصل لا العكس لأنه من الخطأ أن يتبنى أحد رأيا ونظرية ثم يبحث عن سند له في التراث أو يرفض رأيا ثم يبحث عن مبرر له في التراث لأنه لاشك أن القناعة السابقة ستؤثر في أسلوب ونتيجة البحث في التراث وحتى رسول الله (ص) ماكان يبدي رأيه في أمر الابعد علمه بحكم الله تعالى والشواهد كثيرة في التاريخ كقصة خولة وزوجها أنس ابن الصامت
3. من الضوابط أيضا والتي تعطي المراجعة قيمتها العلمية أن تكون محكمة وحتى تكون محكمة لابد أن تطرح للمناقشة وفي ميادينها العلمية ومن قبل المختصين كما هو موجود في الحوزات والمراكز العلمية فالمراجع والعلماء يطرحون مراجعاتهم للمناقشة مع آخرين من أساتذتهم أو طلابهم المؤهلين علميا للمناقشة وطرح المراجعة في غير هذه الميادين لا يعطي لها القيمة العلمية صحة أو خطا بكثرة المؤيدين أو المعارضين بل ربما تحدث سلبيات تضر بالمجتمع تتعارض مع الأهداف الايجابية من مراجعة التراث
4. ومن الضوابط أن لا تكون المراجعة تجزيئية بل لابد أن تكون مستوعبة للتراث لكل ماله دخل في استنتاج رأي أو نظرية من الآيات والروايات ولا يصح أن تقتصر المراجعة على آية واحدة أو رواية وتترك الروايات أو الآيات الأخرى لأن بعض الآيات والروايات يفسر البعض الآخر أو يخصصه وإذا كانت هناك روايات ضعيفة فربما هناك أدلة أخرى قوية وهذا ما يؤكد ما ذكرناه سابقا من ضابط الاجتهاد وأن تكون المراجعة في ميادينها ومراكزها العلمية
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
الشيخ محمد العباد
الاحساء